رواية قبل أن تبرد القهوة لـتوشيكازو كاواغوتشي | مراجعة وتحليل

 





رواية قبل أن تبرد القهوة رواية يابانية تتحدث عن مقهى يقدم خدمة العودة في الزمن! إلا أن لهذه الخدمة شروط تجعل الرغبة بالعودة بالزمن تتلاشى وبسرعة. فأولاً، للعودة بالزمن عليك الجلوس في مقعد واحد محدد وعدم النهوض مهما حدث، وإن فعلت، ستعود ببساطة للحاضر. أما الشرط الثاني ينص يقول: عليك شرب كوب القهوة كاملًا حين تعود بالزمن قبل أن تبرد، وإلا ستعلق بين الأزمنة وتتحول لمجرد شبح يهيم على وجهه، كذلك الشبح الذي يجلس دومًا على مقعد العودة بالزمن، وإذ تحرك كان للزوار فرصة الجلوس في مكانه للعودة بالزمن. والشرط الثالث يقول: لا تستطيع مقابلة إلا الأشخاص الذين سبق لهم زيارة المقهى. وأما الشرط الأخير فيقول: مهما فعلت ومهما حاولت ومهما قلت، لن تستطيع تغيير الحاضر. هذه الشروط الأربع غالبًا ما تجعل الحالمين بالعودة يتخلون عن هذا الحلم وبسرعة.

إلا أن القصة تناولت أربعة قصص، أول قصة تناولت حكاية فتاة لم تقل كل ما رغبت بقوله لحبيبها قبل أن يرحل لأمريكا ليتبع أحلامه، فندمت، ولم تكن ترغب بتغيير الحاضر حتى، كل ما كانت ترغب بفعله هو التعبير عن ذاتها؛ فعادت، وبعودتها حصلت على ما تريد. أما القصة الثانية، فتتحدث عن زوجين لطالما ارتادا المقهى، إلا أنه بدأت تظهر على الزوج أعراض الزهايمر، وفي إحدى المرات؛ نسى زوجته حتى. غير أنه ما زال يتردد على المقهى، ويخبر الموظفين بأنه يحاول العودة بالزمن، ليعطي زوجته رسالة ندم أنه لم يعطها لها. تقرر الزوجة حينها العودة بالزمن، للوقت الذي كان زوجها به يعرفها، ويألفها، فتلتقى به، وتأخذ الرسالة، وتحصل على ما تريد. والقصة الثالثة، تتكلم عن أختين، انقطعا عن بعضهما البعض لفترة طويلة، وفي إحدى المرات، أتت الأخت الصغرى لمقابلة أختها الكبرى في المقهى فاختبأت الأخت الكبرى، وحينما غادرت الأخت الصغرى، ماتت في حادث. بناء على هذه المأساة، تقرر الأخت الكبرى العودة بالزمن لذاك اليوم، لحديث ولو قصير مع أختها الراحلة. أما آخر قصة، فهي قصة ذهاب للمستقبل، لا عودة للماضي. تتحدث القصة عن أم أدركت أنها تحتضر، وستموت حين تنجب ابنتها. فتقرر الذهاب لرؤية ابنتها في المستقبل، متقبلة أنها المرة الأولى والأخيرة التي ستراها بها.

كانت هذه الرواية في مكتبتي لفترة طويلة، تجمع الغبار. لا أعلم لما ابتعتها، ولما سكنت مكتبتي كل ذلك الوقت، دون أن أفكر بلمسها حتى. قرأتها في مقهى في مدينتي، ولم أكن أتوقع انها ستبكيني، إلا أن الدموع حجبت حتى رؤيتي للحروف والكلمات. كانت رواية رغم بساطتها، بها من العمق الكثير. بدأ من العنوان.

"قبل أن تبرد القهوة" لا تتحدث الرواية عن العودة بالزمن فحسب، بل عن حال أولئك العالقين في الماضي في واقعنا، وكيف هو واقعهم. ففي رمزية اسم الرواية يكمن حالهم، وحالهم بارد فاتر كقهوة ساخنة، قدّر لها البرود. "قبل أن تبرد القهوة" هو عنوان يشرح حال العالقين بالماضي، الذين لا يقدرون الحاضر، ولا يعرفون منه سوى الذكريات، الندم، والتحسر... والحاضر نصب أعينهم، إلا أنه يبرد، ويبرد، ويبرد، ويبرد، حتى يغدو هو الآخر ماضيًا من ظرف كان.

وفي الشروط الأربع، تتجلى كذلك فلسفات عن الزمان وطبيعته. فحتى وإن استطعت زيارة الماضي، أنت مكبل بمقعد، لا تستطيع النهوض، التحرك، حضن من تحب. كمن يتذكر الماضي، إلا أنه عاجز عن لمسه، عن عيشه مجددًا. وإن نهضت؟ ستعود فورًا للحاضر. كأن الكاتب يقول بذلك أن العالقين بالماضي غالبًا ما يكونون ثابتين في نفس المكان، لا يتحركون للأمام، ولا حتى للخلف. يقبعون على كرسي ويمر أمامهم شريط الماضي كله، دون أن يكون بمقدورهم فعل أي شيء. أن العالقين بالماضي كالمكبل أمام شاشة تعيد الفيلم ذاته مرارًا وتكرارًا.

أما في شرط أن تشرب القهوة قبل أن تبرد، وإلا علقت بين الأزمنة وصرت شبحًا يهيم على وجهه دون وجهة ومسار، فهذه نصيحة ودعوة لكل العالقين بالماضي، أن يقدروا اللحظة والحاضر، أن يركزوا على الأشياء المتوفرة أمامهم، أن يعيشوا للآن، لا للأمس؛ وإلا أصبحوا كالشبح الميت، العالق في كل زمان، إلا زمانه الحاضر.

والشرط الثالث والذي يقول بأنك لا تستطيع مقابله إلا الأشخاص الذين سبق و زاروا المقهى؛ يمثل المقهى هنا رمزية لذاكرة الإنسان وعقله وذكرياته. فنحن لا نستطيع تذكر إلا من كان في ذاكرتنا، وعقولنا، وقلوبنا. المقهى رمزية للذاكرة الإنسانية التي لا تحتفظ إلا بمن مرّوا بنا وتركوا أثرًا، أولئك الذين يستحقون الزيارة والمخاطرة أصلاً.

والشرط الرابع والأخير يقول: مهما فعلت ومهما أردت ومهما حاولت، لن تستطيع تغيير الماضي. وهذا بالضبط ما كان يحول بين رغبة البعض بالعودة وبين عودتهم فعليًا، فما الفائدة من العودة، إن لم يتغير الحاضر؟

كانت هذه اللفتة من الكاتب من أجمل الشروط، وربما كانت ما منح للرواية حسًا واقعيًا رغم طبيعتها الفانتازيه. وكأنه يقول: في الأدب والخيال حيث تتوفر الطرق، وفي الواقع حيث لا تتوفر سوى الذكريات وتقليبها حد حفظها؛ لا يمكننا مهما أردنا تغيير مجريات الأمور. كان هذا الشرط كصفعة على وجه العالقين في الماضي؛ فحتى وإن قضيت كامل حياتك تقلب بالذكريات، تتندم عليها، وتتحسر على ما آلت إليه الأمور، لن يتغير وزن شعره في الحاضر، وإن بكيت على الأطلال عمرًا كاملاً.

للأدب الياباني وقع مختلف على روحي، لعلها رقته، وصدقه الهش الذي لا أجده إلا به، ولعله الحلم الطفولي بالعيش هناك، ولعلها موضوعاته الإنسانية الصادقة: كالفقد، الحنين، والرغبة الإنسانية الأقدم؛ استمرارية الأشياء.


تعليقات

المشاركات الشائعة