رواية مدينة الكتب لأستاذة صباح عبدالله | مراجعة وتحليل
مدينة الكتب
رواية يمكن اسقاطها على العالم أجمع، فتجد في رمزياتها وعالميتها: مزرعة الحيوان.
وفي خصوصيتها و واقعيتها، ما يستحضر من ذكرياتك الكثير. تستخدم أسلوب الأنسنة،
فتأنسن الكتب وتمنحها المشاعر، واللسان، والعقل المفكر.
الكتب في هذه
الرواية هي صوت المعرفة، والاختلاف، والتنوع، والتفرد. هي صوت البشر والمجتمع
المتفرج بكل تياراته؛ لا هو قادرٌ على التغيير، ولا هو قادرٌ على التعبير بطريقة مسموعة،
يقصى حينًا، يستخدم حينًا، يُقدس حينًا، وحينًا، يكون لا شيء.
أخذنا الكتاب
عبر ستة فصول وهي:
·
كائنات ورقية
·
جزيرة الكتب المنفية
·
المعاني في زمن الغفوة
·
يا غفوة ما تمت
·
حفلة شواء مبتلة
·
العائدون من الموت
ولكل فصل رمزيته
الخاصة.
في هذه المراجعة
سأتطرق لعدة محاور وهي:
- أنسنة أم مؤنسن بالفعل؟
- المعاني – رمزية الاسم وبطلة القصة
- رمزية الشخصيات
- فلسفات وأبعاد تاريخية وأساطير قرأتها ضمنيًا في الرواية
أنسنة أم مؤنسن بالفعل؟
منذ السطر
الأول، تسحبنا الرواية إلى عالمها الفريد عبر سؤال بسيط لكن وجودي وعميق:
"ماذا لو كنت كتابًا؟
أتيت إلى هذا الوجود من مجرد فكرة؟"
لم يكن المدخل
سؤالًا عابرًا، بل دعوة لأن نتجرد من إنسانيتنا المألوفة، ونتقمّص إنسانية أخرى،
ورقيّة، مغلّفة، تخرج إلى هذا العالم من فكرة، لا من رحم. في هذا السؤال تبدأ لعبة
الأنسنة التي تستمر حتى نهاية الرواية، لم تمنح الكاتبة الكتب مشاعرًا وعقولاً
فقط، بل جعلتنا نؤمن، أن لا فرق بين ورقي وبشري إلا بالمعنى.
فالكتب في هذه
الرواية تتكلم، تحزن، تخاف، تنفى، تُحرق، تُنسى، تُهمّش، تتذكر، تثور، وتحيا.
أنسنة الكتب في
الرواية ليست مجرد تقنية بلاغية أو استعارة عابرة، بل فلسفة كاملة.
ولذلك، فإننا
حين نقرأ الرواية، لا نتعامل مع كتب مؤنسنة، بل مع بشر صبو ذواتهم في قوالب غير
اجسادهم، ونُفِيَت هذه القوالب لأنها تحمل معنى، وأُحرقت لأنها تقول الحقيقة،
وعادت لأنها باقية مادام هناك من يؤمن بها.
المعاني – رمزية الاسم وبطلة القصة
تقود الرواية
شخصية اسمها: المعاني بنت قاموس آل معاجم
وهذه أجمل وأبدع
ما فيّ الرواية بالنسبة لي، اختيار ان تكون البطلة كتابًا بحجم الجيب يدعي
المعاني. فهذا الاسم وحده محمّل بالرمزية!
فالكتب – تساوي
الكلمات والكلمات تساوي المعاني. ولا وزن لكلمة دون معنى، ولا كلمة في العالم
ستكون مصدرًا للتهديد دون معنى، ولن توجد كلمة تغير وتحسن إلا بدلالاتها ومعانيها.
فالكلمة إذن ليست ذات قوة إلا من خلال معناها. لا تحبس الكلمة بذاتها، ولذاتها، بل
يحبس المعنى. لا تزور الكلمة لغرض تزوير الكلمة، بل ليزور معناها. لا تُحرق ولن
تحرق الكلمة لأنها صوتيات وأحرف، بل تحرق لأنها معنى، ومن المعنى تعيش وتستمر. ولا
تنجو الكلمة لأنها أحرفٌ وصوتيات وشكلٌ ما، بل تنجو لأنها تحمل بداخلها التغيير،
والمعنى. إذن، جعل البطلة "معاني" يجعل الرواية كلها عن الجوهر، العمق،
مالا يقال، الدلالة، لا السطح. "المعنى" هو جوهر الوجود اللغوي، واللغة
هي جوهر الحضارة. وفي أن تكون المعاني هي الراوية عدم تحيز سردي لاي نوع معين من
الكتب أو تيار معين في المجتمع أو نوع معين من الثقافة.
وفي أن تكون
"المعاني" بنتًا لقاموسٍ ومن
سلالة "المعاجم"، فذلك يضيف بُعدًا رمزيًا آخر لا يقل ثراءً؛
فـ"القاموس" ليس كتابًا عاديًا، بل هو مرجع، جامعٌ للكلمات، ومُفسّرٌ
لها، يحمل في طياته تنوع اللغة، وامتدادها عبر العصور، وتعدد لهجاتها، وتفاوت
استعمالاتها، واختلاف معانيها باختلاف السياقات. أن تُنسب المعاني إلى القواميس
والمعاجم هو بمثابة نسبها إلى جذور المعرفة، إلى سلطة اللغة، إلى تاريخٍ طويل من
الاجتهاد في الفهم، والتفسير، والتأويل. إنّها ابنة المجتمع اللغوي كله، وليست
حكرًا على مدرسة فكرية واحدة، أو تيار ثقافي واحد. هي سليلة التنوع، والتعدد،
والانفتاح.
وفي ذلك رمزية
عميقة لكونها تمثل التنوع المجتمعي والثقافي بكل أطيافه: فهي لا تنتمي إلى كتابٍ
ديني واحد، ولا إلى رواية واحدة، ولا إلى فكرٍ واحد، بل إلى منظومة لغوية كاملة
تشمل الشعر والنثر، العلمي والأدبي، التراثي والمعاصر، الشعبي والرسمي. وكأن في
نسبها هذا دعوة لفهم اللغة بوصفها مساحةً جامعة، لا تشتت وتفرق، بل تجمع وتحتضن؛
وبوصفها مأوى للمعنى لا لسطح الكلمة، ومجالًا حيًا يعبّر عن الجميع لا عن فئة دون
أخرى. فـ"المعاني" هنا لا تُمثل كتابًا صغيرًا فحسب، بل تمثل تاريخ
البشرية اللغوي، صراعها حول الدلالة، وبحثها المستمر عن الفهم، والتأويل، والحق،
والهوية.
رمزية الشخصيات
تمثّل الشخصيات
الخمس في مدينة الكتب بنية أي مجتمع حي ومعاصر، تتنازع به قوى التغيير، والركود،
والتطرف، والمقاومة، والدعم الصامت، والحياة. كانت هذه الشخصيات الخمس بالنسبة لي
تجسيدًا واقعيًا لتركيبة أي بيئة ثقافية أو فكرية تمر بتحولات كبرى.
·
السيد مالك، مالك المدينة والمكتبة، هو
رمزٌ لـ المعرفة المتوارثة، والمجتمعات في حالة سكونها، يمثل أولئك الذين يؤمنون
بالمعرفة والتعدد والتعايش، لكنهم غالبًا لا يمتلكون حزم الفعل أو سرعة القرار. هو
شبيه بالأنظمة الفكرية أو المؤسسات التقليدية التي تحتضن الجميع، لكنها حين تمرض –
بالمعنى المجازي – تسلّم العهدة دون تدقيق، وتغيب في لحظة حاسمة، تاركة الفراغ لمن
لا يستحق. دون التفكير بتبعات الأمور.
·
مطاوع هو الموظف المجتهد، الذي يتظاهر
بالانتماء والولاء لكنه أول من يبيع المدينة. منذ البداية كانت تظهر عليه علامات
التسلل والانتهازية والنفاق. منذ ردة فعله لكتاب لم يعجبه محتواه إلى إدخاله
لمطرف، ثم نفيه للكتب وتدميره لها وتزويره، يمثل صوت الفساد المقنّع، الفساد الذي
لا يجرؤ على المواجهة، والذي يحرق ويدمر باسم النظام. يتكئ على الولاء الظاهري،
لكنه في جوهره أداة من أدوات الانهيار والاقصاء.
·
مطرف، هو الذراع المتطرفة، لم يكن من
المدينة، بل جاءها بدعوة داخلية، ومعه آلة بلغة لا تشبه لغة أهل المكان، تأكل
الكتب كما يأكل الجائع وجبة لا يعرفها، وتنطق بلغةٍ لم تألف صوتها ومخارجها كتب
المدينة. يحرق مطرف المكتبة، ولكن لا يكشف، فلا أثر خلفه، ولم يكن وجهه ظاهر، ولكن
ذاكرة الكتب، وذاكرة المكان، تعرفانه. وبعد الحريق، في حفل الافتتاح للمدينة أو
المكتبة بحلتها الجديدة، يعود؛ بحلة جديدة؛ فندرك حينها أن الخطر لم يكن في الحريق
بل في حقيقة أن التطرف لا يموت، بل يتقن التلون.
·
حازم، ابن مالك، يعود بعد غياب مع
والده للعلاج، وقد درس وتعلّم. هو الحزم، والوعي، والإصلاح. يمثّل الجيل الجديد
الذي يعود ليجد أن كل شيء تغيّر، وبدلاً من أن يتحسر، يبدأ معركة التغيير. هو صوت
العقل المنظّم، الذي لا يكتفي بالغضب، بل ينهض ليُصلح. حازم لا يسكت، لا يتواطأ،
لا يتردد. وفي عودته حياةٌ للمدينة.
·
سند، صديق حازم الذي يظهر في الفصول
الأخيرة، هو من يكتشف محاولة مطرف لإحراق المدينة. هو صوت الدعم الحقيقي، والسند.
يمثل أولئك الذين كانوا يحلمون بالتغيير، يعرفون الحقيقة، لكن لم يكن بيدهم حيلة.
يظهر حين يجد من يستطيع قيادة المعركة، فيسنده، يدعمه، ويمنحه ما عجز عن منحه
سابقًا. هو الجبهة الخلفية لكل ثورة فكرية، ذلك الحضور الصامت الذي ينتظر اللحظة
المناسبة ليقول: "أنا معك". هو رمز الدعم الكامن في كل فكرة، في كل قلبٍ
آمن يومًا أن التغيير ممكن، ولو بعد حين.
رسمت الرواية
خارطة إنسانية مجتمعية دقيقة:
- من يملك الرؤية والمعرفة والمكان دون الحزم (مالك)
- ومن يملك السلطة دون الإخلاص (مطاوع)
- ومن يملك الحماسة دون وعي فيغدو مجرد أداة (مطرف)
- ومن يملك الفهم والبصيرة والمقدرة على التغيير (حازم)
- ومن يملك الإيمان الصامت ويعرف متى يساند في الوقت الصحيح (سند)
فلسفات وابعاد تاريخية وأساطير أحببت وجودها في الرواية
رمزية الحريق
كشرطٌ للتغيير وللبعث – طائر الفينيق في الميثولوجيا الإغريقية:
في الرواية، لا
تولد المكتبة بهيئة جديدة إلا بعد حريقها. وكأن الكاتبة تؤكد بذلك أن بعض
الدمارات، وحتى تلك المجازية؛ ضرورية لإعادة الخلق. فكما تولد العنقاء من رمادها،
تولد الكتب مجددًا، ومجددًا، ومجددًا؛ ما دام هناك من يؤمن بأفكارها. تقودنا هذه
الفكرة لفصل "المعاني في زمن الغفوة" ففي هذا الفصل نرى كيف أن المعاني
يمكن أن تُنسى، تُنفى، تُبعد، تُحبس، تمر بسبات طويل، وتعيش في غفوة شبه أبدية؛
لكنها قطعًا لا تموت.
نتيشه والحقائق
المطلقة:
يقول نيتشه أن
الحقيقة متعددة الأوجه، ونادرًا ما تكون "مطلقة" وهذا ما شعرت به أثناء
قراءة هذه الرواية. ففي اختيار الكاتبة أن تكون البطلة كتابًا اسمه
"المعاني" وفي حقيقة أن للبطلة اقتباسات عديدة محايدة، يستشف القارئ أن
الرواية ليست محاولة لتشييد رأي، أو التعزيز لتيار معين، أو لحقيقة
"مطلقة" واحدة، بل تبدو الرواية وكأنها محاولة نقدية وفلسفية متكاملة.
مرجعيات تاريخية وأدبية ضمنية
حريق مكتبة
الإسكندرية:
يمكننا إسقاط
حريق مكتبة مدينة الكتب على كارثة حريق مكتبة الإسكندرية أو مكتبة بيت الحكمة في
بغداد، تلك الحرائق التي لا تمثل فقط ضياع الكتب، بل ضياع الذاكرة الإنسانية
والتاريخ الثقافي للبشرية. تحذرنا الرواية بالعديد من المواضع من تكرار هذا الحريق
بأشكال معاصرة: سواء في الحذف، التزوير، الترجمات التي تقص أجزاءً كبيرة من النص
الأصلي، والإقصاء.
مزرعة الحيوان -
جورج أورويل:
في مواضع عدة،
ذكرتني رواية مدينة الكتب برائعة جورج أورويل "مزرعة الحيوان" فكلتا
الروايتين أنسنا اللا-إنسان، وسيطرت سلطة فاسدة على المكان. ففي مزرعة الحيوان
تغتصب السلطة من سنوبول، وتعطى لنابليون. وفي مدينة الكتب، تغتصب السلطة بمرض
المالك، وتعطى عهدة المكان لمطاوع. إلا أن في عنوان رواية مزرعة الحيوان تظهر لنا
السلطة المركزية، فالمزرعة لـ "حيوان" واحد، ومهما حاولت السلطة ألّا
تتمركز، ليس بمقدورها إلا أن تتمركز. بينما في عنوان مدينة الكتب جمالية خاصة، وشمولية
تظهر وعيًا حقيقيًا بالثقافة. فالثقافة، على عكس السلطة، شمولية، تتسع للجميع.
عودة الخلاص
الإنجيلي:
رأيت في شخصية حازم صدى لفكرة الابن العائد أو الخلاص السماوي، الذي يصلح ما أفسد، ويخلص المجتمع من آفاته.
فلسفة اللغة -
لودفيغ فيتغنشتاين:
الرواية تحتفي بالمعنى
أكثر من الكلمة، وهذا ما شعرت انه يلامس فلسفة لودفيغ فيتغنشتاين الذي فرّق بين
اللغة كأداة واللغة ككائن حي. في البدء كانت الكلمة، ولكن في هذه الرواية أقول: في
البدء كان المعنى.
تعليقات
إرسال تعليق