حين تنفست لأول مره...




لطالما واجهت مشاكلاً عديدة في التأمل، ولم استطع رغم قراءتي في الموضوع إتقان الأمر. لا ينفك عقلي عن التفكير، ومهما حاولت التركيز أجد عقلي في زاوية قديمة، أو خطة بعيدة، أو وبكل عشوائيةٍ بدأ بتأليف قصيدة. نعم... لم أتقن التأمل بشكله الأبسط قط، ولم استطع يومًا إتقان فن التنفس، فكيف لي أن اغير ماهية التنفس؟ من فعل لا إرادي، إلى إرادي -مع سبق الإصرار والترصد- ؟

ولكن، ومن ناحية أخرى؛ تعلمت خلال حياتي أن أكثر اللحظات صفاءً لعقلي هي تلك التي اقضيها بالمشي، أتفكر باللاشيء، وأتدبر باللاشيء. كان المشي بالنسبة لي هو أقرب ما وصلت إليه من التأمل، من الحضور الكلي، من العقل الهادي، من العقل الساكن؛ حتى جربت الغوص.

وبطبيعة الحال، لم استطع التنفس بطريقة صحيحة في بداية الأمر، فمجددًا، لطالما واجهت صعوبة في فعل اللا إرادي، بإرادة. ولكن، حينما تكون حياتك رهن التعلم، ستتعلم، وستتعلم بسرعة صادمة.

ضبطت تنفسي، شهيق من الفم، زفير من الفم، وثقل اسطوانة الأكسجين على ظهري والذي تحول لشيء اخف من الريشة ريثما دخلت البحر اشعرني بشيءٍ من الأمان.. شهيق، زفير...

صعدت مرارًا، ونزلت بإصرار عهدته فيّ، "خلص كل حاجة تبدأه، حتى الوجبة اللي ماتعجبك" هذا كلامي دائمًا، لا لشيء، سوى لكره عميق اكنه للأشياء الغير مكتملة، للرحلات المبتورة من منتصفها، لانصاف الأشياء...

وأكملت، واعتادت اذناي على ضغط المياه، وقدماي على حركةٍ غير المشي، وعيناي على رؤية ضبابية.

هأنا الآن تحت الماء، الأسماك تسبح يمنة ويسرة، كل سمكةٍ في وجهتها، البحر صافٍ للغاية، والمنظر يبدو كلوحةٍ افنى اعظم الرسامين حياتهم في محاولة لمحاكاته. شهيق.. زفير.. شهيق.. زفير.. لا فكرة في عقلي سوى السكون.. لا هواجس عن الماضي، ولا أحلام مستقبلية، لا شيء... شهيق.. زفير.. شهيق.. زفير.. اعتادت اذناي صوت المياه من حولها، عيناي ادركتهما صفاوة لم اعهدها مسبقًا، جسدي حر، يتحرك مع التيار...

شهيق.. زفير
شهيق.. زفير
شهيق.. زفير

لم أشعر قط في حياتي بهدوء كما شعرت تحت الماء
لم أكن حاضرة كليًا في حياتي كما كنت تحت الماء
لم أكن يومًا في حالة سكون مشابهه لما كنت عليه تحت الماء
لم أكن في الغد، ولا في الأمس، ولا في عقلي
كنت هناك، في تلك اللحظة، في ذلك المكان، متصلة بكل شيء، منفصلة عن كل ما ليس أنا، كنت أنا، وكان العالم ساكنًا...

خشوع
سكون
حضور

ما ظننت انه مجرد تجربة مسلية
كان أكثر من ذلك بكثير
كان تأملاً حقيقيًا
وتدبرًا فعليًا
وحضورًا
حضورًا
حضورًا
لا حضور يضاهيه...

تعليقات

المشاركات الشائعة